من الصليب إلى النور: المسيرة الحيّة لأسبوع الألام في الكنيسة الأرثوذكسية
01.04.2026 15:42
اخبار الكنيسه في مصر Church news in Egypt
الدستور
من الصليب إلى النور: المسيرة الحيّة لأسبوع الألام في الكنيسة الأرثوذكسية
Font Size
الدستور

تبدأ الكنيسة الأرثوذكسية هذا العام أسبوع الآلام في القدس، يوم سبت لعازر أبريل 2026، إيذانًا بالاستعداد لطقوس الأسبوع العظيم. 

ويحتفل الأرثوذكس في هذا اليوم بذكرى إقامة لعازر من الموت على يد السيد المسيح، ويعد هذا اليوم مهمًا يسبق مباشرة أحد الشعانين، حيث يشارك فيه آلاف المؤمنين من القدس والمناطق المجاورة. ويعتبر هذا اليوم بداية التحضير لمواصلة الطقوس الرئيسية لأسبوع الآلام، بدءًا من أحد الشعانين وصولًا إلى سبت النور وأحد القيامة.

وفي تصريح له، قال المطران عطالله حنا رئيس أساقفة إن الأسبوع العظيم في تقليد الكنيسة الأرثوذكسية ليس مجرد تذكّر لأحداث ماضية، بل هو حجّ روحي حي يُدعى فيه كل مؤمن أن يدخل إليه بكل كيانه جسدًا وعقلًا وقلبًا، موضحًا أن الكنيسة في هذه الأيام المقدسة لا تكتفي بالتذكار، بل تجعل المؤمنين يشاركون في سر آلام المسيح وموته وقيامته. وأضاف المطران أن المسيحيين منذ القرون الأولى، ولا سيما منذ القرن الرابع، نظموا هذه المسيرة كاختبار عميق ومتواصل، مشددًا على أن الهدف ليس المشاهدة فقط، بل العيش الحقيقي لهذه اللحظات، حيث يقود كل يوم وكل نشيد وكل حركة طقسية المؤمن أعمق وأعمق إلى قلب سر الخلاص.

ويشير المطران إلى أن الرحلة تبدأ بسبت لعازر، حيث يقف المؤمنون أمام قبر صديق المسيح ويشهدون الدعوة للحياة التي أطلقها يسوع على لعازر، معلنًا مسبقًا دحر الموت، ويلي ذلك أحد الشعانين الذي يدخل فيه المؤمنون مع المسيح إلى أورشليم حاملين السعف ومرتّلين "هوشعنا"، لكن فرحة اليوم مشوبة بظل الصليب، إذ تتحول الجماعة التي تهتف اليوم إلى تهتف غدًا "اصلبه".

وفي الأيام الأولى من الأسبوع، تحتفل الكنيسة بخدمات "الختن"، حيث توضع أيقونة المسيح مكلّلًا بالشوك في وسط الكنيسة، وتُسمع الدعوات إلى السهر الروحي والاستعداد الداخلي كي لا تُوجَد النفس نائمة عند مجيء الرب. أما يوم الأربعاء العظيم، فيقف المؤمنون أمام اختيار شخصي عميق بين المرأة الخاطئة التي سكبت الطيب بدموع ومحبة، ويهوذا الذي خان المعلّم بثمن بخس، مع التأكيد أن الكنيسة تقدم هذه الصور كحقيقة حية يعيشها كل مؤمن، وتُرتّل نشيد القديسة كاسياني لتعليم أن التوبة الحقيقية تنبع من الحب والتواضع.

ويقود الخميس العظيم المؤمنين إلى سر البذل الكامل، حيث تتأمل الكنيسة غسل الأرجل الذي يكشف تواضع الله، والعشاء السرّي الذي يهب فيه المسيح ذاته طعامًا، وصلاة جثسيماني والخيانة، ويُتلى مساءً الأناجيل الاثنا عشر للآلام، لتعيش الجماعة لحظة بلحظة أحداث المحاكمة والصلب وكأنهم حاضرون هناك. أما الجمعة العظيمة، فهي اليوم الأشد رهبة، إذ يُنزَل جسد المسيح عن الصليب ويوضع على النعش (الإبيتافيوس)، وتقام مساءً المراثي حيث يسير المؤمنون في موكب الشموع أمام القبر، مع ظهور رجاء خفي وسط الحزن العميق.

ويعتبر سبت النور يوم السرّ العميق، إذ رغم أن كل شيء يبدو ساكنًا ظاهريًا، يحدث داخليًا ما هو عظيم، حيث ينزل المسيح إلى الجحيم ويكسر أبوابه محررًا البشرية جمعاء، وفي الخدمة تتبدّل الثياب من الداكنة إلى البيضاء، معلنة أولى بشائر القيامة، لتليها الليلة المقدسة "سهرانة الفصح" حيث يغرق العالم في الظلام حتى يظهر نور واحد من الهيكل، وينتشر من شمعة إلى شمعة، معلنًا غلبة النور على الظلمة والحياة على الموت، وعند فتح الأبواب يدخل المؤمنون إلى الكنيسة المغمورة نورًا وتسبيحًا وفرحًا، لتُتلى بعدها العظة الفصحية للقديس يوحنا الذهبي الفم، التي تدعو الجميع إلى المشاركة في العيد، مؤكدة أن الخلاص هو عطية محبة الله المجانية، وليس مكافأة على الجهد البشري.

وفي ختام الأسبوع، يصبح أسبوع الآلام طريق تحوّل حقيقي، فلا يخرج المؤمنون منه كما دخلوا، بل يكتشفون أنهم ليسوا مجرد مشاهدين للآلام، بل هم الذين من أجلهم تألّم المسيح ومات وقام.

Leave Comment
Comments
Comments not found for this news.