تمثل وزارة التربية والتعليم إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة المصرية الحديثة، إذ ارتبط تاريخها ارتباطًا وثيقًا بتطور مفهوم الدولة، وبناء الإنسان، وترسيخ الهوية الوطنية. وقد مرّت الوزارة بمراحل متعددة، تغيرت خلالها مسمياتها وأدوارها، وتعاقب على قيادتها عدد من الشخصيات التي تركت بصمات متفاوتة في مسيرة التعليم المصري.
البدايات: ديوان المدارس
تعود الجذور الأولى للوزارة إلى عام 1837، مع إنشاء ديوان المدارس في عهد محمد علي باشا، ليكون الجهة المسؤولة عن الإشراف على التعليم الحديث. وكان التعليم آنذاك موجهًا لإعداد كوادر الدولة في المجالات العسكرية والإدارية والطبية.
وزارة المعارف العمومية
مع تطور الدولة الحديثة، تحوّل ديوان المدارس إلى وزارة المعارف العمومية، التي تولى قيادتها عدد من الرموز الفكرية والسياسية البارزة، وكان من أشهرهم علي مبارك باشا، الذي يُعد أحد رواد التعليم في مصر، وأسهم في تنظيم المدارس ووضع اللبنات الأولى للمناهج الحديثة.
وخلال النصف الأول من القرن العشرين، تعاقب على وزارة المعارف عدد من الوزراء الذين ركزوا على التوسع في التعليم ونشره، ومن أبرزهم:
طه حسين، الذي ارتبط اسمه بشعار “التعليم كالماء والهواء”، وأسهم في ترسيخ مبدأ إتاحة التعليم للجميع.
أحمد نجيب الهلالي، الذي اهتم بإصلاح التعليم وربطه بالتنمية الاجتماعية.
ما بعد ثورة يوليو 1952
شكّلت ثورة يوليو نقطة تحول فارقة في تاريخ التعليم، حيث تبنت الدولة سياسة مجانية التعليم، ما أدى إلى توسع غير مسبوق في أعداد المدارس والطلاب.
وخلال هذه المرحلة، تولى الوزارة عدد من الوزراء الذين عملوا على مواجهة تحديات التوسع الكمي، وبناء مدارس جديدة، وإعداد المعلمين.
من المعارف إلى التربية والتعليم
مع تطور الفكر التربوي، تغير مسمى الوزارة إلى وزارة التربية والتعليم، ليعكس دورها في التربية وبناء الشخصية، وليس التعليم الأكاديمي فقط. وخلال العقود التالية، خاصة في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، ركز الوزراء المتعاقبون على:
إصلاح نظام الثانوية العامة
تطوير المناهج
مواجهة الكثافات الطلابية
التوسع في التعليم الفني
الألفية الجديدة وتحديات العصر
مع دخول القرن الحادي والعشرين، تولى الوزارة وزراء واجهوا تحديات جديدة، أبرزها:
دمج التكنولوجيا في التعليم
تطوير نظم التقييم والامتحانات
تحسين جودة التعليم ومخرجاته
ربط التعليم بسوق العمل
وشهدت هذه المرحلة محاولات جادة لتحديث المناهج، وإدخال التعليم الرقمي، والتوسع في بناء المدارس.
المرحلة الراهنة: محمد عبداللطيف
في السياق ذاته، جاء تولي محمد عبداللطيف حقيبة التربية والتعليم ليعكس توجه الدولة نحو إصلاح جذري ومستدام للتعليم. وتم تجديد الثقة به في الحكومة الجديدة، في ضوء ما قدمه من مشروعات قومية، على رأسها:
تعديل نظام الثانوية العامة
إدخال نظام البكالوريا المصري
دمج التكنولوجيا الحديثة وتعليم الذكاء الاصطناعي
إطلاق منصات تعليمية رقمية مثل “كيريو”
انتظام المدارس وعودة الطلاب والمعلمين للفصول
التوسع في بناء المدارس وتطوير البنية التحتية
ويمثل استمرار محمد عبداللطيف في منصبه امتدادًا لمسيرة طويلة من التطوير، تؤكد أن وزارة التربية والتعليم ظلت على مدار تاريخها مرآة لتحولات الدولة المصرية، وأداة رئيسية لبناء الإنسان وصناعة المستقبل.
منذ ديوان المدارس في القرن التاسع عشر، مرورًا بوزارة المعارف، وصولًا إلى وزارة التربية والتعليم في صورتها الحديثة، ظل التعليم أحد أعمدة المشروع الوطني المصري. وتعكس مسيرة من تولوا هذا المنصب إدراك الدولة الدائم بأن إصلاح التعليم هو الطريق الحقيقي للتقدم والاستقرار وبناء الجمهورية الجديدة.