أكدت الدكتورة مى أحمد، استشاري قطاع الاستدامة، وخبير البصمة الكربونية فى تصريحات خاصة لـ “موقع وطنى نت”، أن “كاتدرائية قرطبة” في أسبانيا، باعتبارها أحد أبرز المواقع الأثرية والتراثية العالمية، تواجه تحديات متزايدة نتيجة التغيرات المناخية التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على بنيتها التاريخية الفريدة.
وأوضحت، أن ارتفاع درجات الحرارة وموجات الجفاف المتكررة يؤديان إلى تمدد وانكماش المواد البنائية القديمة، مثل الحجر والرخام والخشب، الأمر الذي يسبب تشققات وتدهورًا تدريجيًا في أجزاء المبنى مع مرور الوقت.
وأضافت: أن أسبانيا تعاني بصورة متزايدة من الجفاف، وهو ما ينعكس على استقرار التربة والأساسات الخاصة بالمباني التاريخية، مشيرة إلى أن انكماش التربة قد يتسبب في تصدعات هيكلية تهدد سلامة المنشآت التراثية العريقة.
كما لفتت إلى التأثيرات البيئية على “صحن النارنج” الشهير داخل المسجد الكاتدرائية، حيث يعتمد الغطاء النباتي والأشجار التاريخية على وفرة المياه وأنظمة الري المستمرة، ما يجعلها عرضة للتضرر في ظل تراجع الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة.
وأشارت استشاري قطاع الاستدامة، إلى أن المناطق الجنوبية في أسبانيا، ومنها الأندلس، تشهد في بعض الأحيان ظواهر جوية متطرفة، مثل الأمطار الغزيرة المفاجئة والعواصف القوية، المعروفة محليًا باسم “DANAs”، والتي قد تتسبب في حدوث فيضانات وتآكل للتربة وتلف للأسطح والجدران التاريخية، خاصة أن المباني الأثرية القديمة لم تُصمم لتحمل مثل هذه التقلبات المناخية الحادة.
وأضافت: أن الرياح العاتية والعواصف القوية قد تُلحق أضرارًا مباشرة بالأجزاء العلوية والزخارف الخارجية للمبنى، فضلًا عن تسريع عمليات التآكل التي تتعرض لها المواد الأثرية بمرور الزمن.
وفي سياق متصل، أوضحت أن الزيادة الكبيرة في أعداد الزوار سنويًا تؤدي إلى ارتفاع مستويات الرطوبة داخل المسجد الكاتدرائية، نتيجة تكاثف بخار الماء وضعف التهوية، وهو ما يهدد الزخارف والمواد الحساسة داخل المبنى، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة الخارجية.
كما حذرت من أن التغيرات في نسب الرطوبة ودرجات الحرارة تخلق بيئة مناسبة لنمو الكائنات الدقيقة، مثل العفن والطحالب والبكتيريا، مما يؤدي إلى تدهور بصري ومادي للجدران والأعمدة التاريخية.
وأكدت أن تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر على مدينة قرطبة يظل محدودًا نسبيًا، نظرًا لكونها مدينة داخلية، إلا أن التأثيرات غير المباشرة، مثل تملح المياه الجوفية والتغيرات المناخية المرتبطة بنهر الوادي الكبير، قد تترك آثارًا طويلة المدى على البيئة المحلية.
استراتيجيات حماية المواقع التراثية
وكشفت الدكتورة مى أحمد عن عدد من الاستراتيجيات التي تتبناها الجهات المعنية بالحفاظ على المسجد الكاتدرائية، بالتعاون مع منظمة اليونسكو، لمواجهة هذه التحديات، من بينها استخدام أنظمة استشعار حديثة لمراقبة درجات الحرارة والرطوبة داخل المبنى وخارجه، بهدف تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
كما تشمل جهود الحماية تحسين أنظمة التهوية الطبيعية والميكانيكية، وإجراء أعمال صيانة دورية للهياكل المتضررة، وتقوية الأساسات عند الحاجة، إضافة إلى تطوير أنظمة إدارة المياه والحفاظ على وسائل الصرف التقليدية التاريخية داخل الموقع.
وأوضحت، أن المؤسسات البحثية تعمل كذلك على دراسة تأثيرات التغير المناخي على المواد الأثرية القديمة، وتطوير تقنيات حديثة للحفاظ عليها، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بأهمية حماية هذا الإرث الحضاري العالمي.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن التغير المناخي أصبح يمثل تحديًا حقيقيًا للمواقع التراثية حول العالم، وأن مسجد كاتدرائية قرطبة ليس استثناءً، الأمر الذي يتطلب جهودًا مستمرة ومتكاملة للحفاظ على هذا الصرح التاريخي الفريد للأجيال القادمة.